الشنقيطي

306

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقوله : تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 1 ) [ الزمر : 1 ] وقوله : تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 2 ) [ فصلت : 2 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا . قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ( 5 ) [ 5 ] . تقدم إيضاح الآيات الموضحة لهذه الآية وأمثالها في القرآن في سورة « الأعراف » مستوفى ، فأغنى عن إعادته هنا . قوله تعالى : وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى ( 7 ) [ 7 ] . خاطب اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية الكريمة بأنّه : إن يجهر بالقول أي يقله جهرة في غير خفاء ، فإنّه جلّ وعلا يعلم السرّ وما هو أخفى من السر . وهذا المعنى الذي أشار إليه هنا ذكره في مواضع أخر ، كقوله : وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 13 ) [ الملك : 13 ] ، وقوله : وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ ( 19 ) [ النحل : 19 ] ، وقوله تعالى : وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ ( 26 ) [ محمد : 26 ] ، وقوله تعالى : قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الفرقان : 6 ] ، الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . وفي المراد بقوله في هذه الآية وَأَخْفى أوجه معروفة كلها حقّ ويشهد لها قرآن . قال بعض أهل العلم يَعْلَمُ السِّرَّ : أي ما قاله العبد سرا وَأَخْفى أي ويعلم ما هو أخفى من السر ، وهو ما توسوس به نفسه ؛ كما قال تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ( 16 ) [ ق : 16 ] . وقال بعض أهل العلم : فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ : أي ما توسوس به نفسه وَأَخْفى من ذلك ، وهو ما علم اللّه أن الإنسان سيفعله قبل أن يعلم الإنسان أنه فاعله ، كما قال تعالى : وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ ( 63 ) [ المؤمنون : 63 ] ، وكما قال تعالى : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى ( 32 ) [ النجم : 32 ] فاللّه يعلم ما يسرّه الإنسان اليوم ؛ وما سيسره غدا . والعبد لا يعلم ما في غد كما قال زهير في معلّقته : وأعلم علم اليوم والأمس قبله * ولكنني عن علم ما في غد عم وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَأَخْفى صيغة تفضيل كل بيّنا ، أي ويعلم ما هو أخفى من السرّ . وقول من قال : إن « أخفى » فعل ماض بمعنى أنه يعلم سر الخلق ، وأخفى عنهم ما يعلمه هو ؛ كقوله : يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ( 110 ) [ طه : 110 ] - ظاهر السقوط كما لا يخفى . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ [ طه : 7 ] أي فلا حاجة لك إلى الجهر بالدعاء ونحوه ، كما قال تعالى : ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً [ الأعراف : 55 ] ، وقال تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ [ الأعراف : 205 ] الآية . ويوضح هذا المعنى الحديث الصحيح ؛ لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لما سمع أصحابه رفعوا أصواتهم بالتكبير قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمّ